منتدى التربية و التعليم تلمسان
اهلا بالزائر الكريم يرجى التسجيل للافادة و الاستفادة
سجل لتتمكن من تصفح المنتدى
منتدى التربية و التعليم تلمسان
اهلا بالزائر الكريم يرجى التسجيل للافادة و الاستفادة
سجل لتتمكن من تصفح المنتدى
منتدى التربية و التعليم تلمسان
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتدى التربية و التعليم تلمسان

لتحضير جيد للامتحانات و الاختبارات لجميع المستويات
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  أحدث الصورأحدث الصور  التسجيلالتسجيل  دخول  العاب فلاشالعاب فلاش  
تعلم ادارة المنتدى انه تم فتح مؤسسة رياض باروتجي لبيع ادوات الحاسوب و الشبكة باسعار جد مناسبة على الرغبين في التواصل و تقديم اللطلبات ترك رسالة خاصة لمدير المنتدى
تعلم ادارة المنتدى انه تم فتح مؤسسة رياض باروتجي لبيع ادوات الحاسوب و الشبكة باسعار جد مناسبة على الرغبين في التواصل و تقديم اللطلبات ترك رسالة خاصة لمدير المنتدى
Awesome Hot Pink
Sharp Pointer
المواضيع الأخيرة
» حصرى تحويل رائع لirissat6800 hd الى جهاز AB CryptoBox 400HD وFerguson Ariva 102E-202E-52E HD
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالجمعة ديسمبر 06 2019, 00:54 من طرف saad sa

» أسطوانة الاعلام الآلي سنة أولى ثانوي علمي
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالجمعة أبريل 07 2017, 13:09 من طرف mhamedseray

» مذكرات تخرج في التاريخ
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالأحد يناير 08 2017, 23:30 من طرف hawarkmirza

» _ كــيفــيــة ادخــال شفرة الجزائر الارضية الجديدة على مختلف الاجهزة
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالسبت يناير 07 2017, 01:29 من طرف bobaker1992

» قرص خاص بالتدريس عن طريق المقاربة بالكفاءات
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالخميس نوفمبر 24 2016, 22:48 من طرف حسان عبدالله

» شروط و طلبات الاشراف للاعضاء
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالسبت سبتمبر 10 2016, 21:37 من طرف محمد عصام خليل

» فروض واختبارات لمادة العلوم الطبيعية ثانية ثانوي
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالجمعة فبراير 26 2016, 10:19 من طرف mhamedseray

» مواضيع مقترحة للسنة الخامسة ابتدائي لمادة دراسة النص
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالجمعة يناير 22 2016, 00:32 من طرف ouassila-2012

» قرص اللغة العربية
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالجمعة نوفمبر 27 2015, 13:57 من طرف بنت القالة

» القانون الأساسي لجمعية أولياء التلاميذ
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالأربعاء نوفمبر 25 2015, 13:40 من طرف belounis

» فروض واختبارات مقترحة في العلوم الطبيعية 4 متوسط
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالخميس نوفمبر 12 2015, 14:09 من طرف بدر الصافي

» مذكرة الانتقال من المخطط المحاسبي الوطني الى النظام المحاسبي المالي الجديد
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالأربعاء نوفمبر 11 2015, 00:29 من طرف rachid s

» كتاب رائع جدا فيزياء وكيمياء يشمل كل دروس 4 متوسط
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالسبت أغسطس 29 2015, 14:59 من طرف abbaz29

» لأساتذة الفيزياء...قرص شامل لكل ما تحتاجه لسنوات التعليم المتوسط الأربع
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالخميس أغسطس 27 2015, 01:49 من طرف abbaz29

» قرص في مادة الفيزياء حسب المنهاج
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالأربعاء أغسطس 26 2015, 20:02 من طرف mhamedseray

» قرص السبيل في العلوم الفيزيائية (دروس شاملة صوت و صورة)
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالسبت أغسطس 15 2015, 05:00 من طرف mhamedseray

» ملخص دروس الفيزياء في الفيزياء
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالأحد أغسطس 09 2015, 00:29 من طرف mhamedseray

» جميع دروس وتمارين محلولة فيزياء وكيمياء أولى ثانوي
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالسبت أغسطس 08 2015, 17:33 من طرف mhamedseray

» شاهد كيف تحصل ببساطة على "إنترنت مجاني" من القمر الأصطناعي؟
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالثلاثاء مايو 19 2015, 19:40 من طرف ocean

» قرص رائع في الفيزياء للسنة الرابعة
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالأحد مارس 22 2015, 22:06 من طرف sbaa

ساعة 258
عدد مساهماتك: 105
الملف البيانات الشخصية تفضيلات التوقيع الصورة الشخصية البيانات الأصدقاء و المنبوذين المواضيع المراقبة معلومات المفضلة الورقة الشخصية المواضيع والرسائل الرسائل الخاصة أفضل المواضيع لهذا اليوم مُساهماتك استعراض المواضيع التي لم يتم الرد عليها استعرض المواضيع الجديدة منذ آخر زيارة لي
سحابة الكلمات الدلالية
سريع تحويل متصفح جهاز
عدد مساهماتك: 105
الملف البيانات الشخصية تفضيلات التوقيع الصورة الشخصية البيانات الأصدقاء و المنبوذين المواضيع المراقبة معلومات المفضلة الورقة الشخصية المواضيع والرسائل الرسائل الخاصة أفضل المواضيع لهذا اليوم مُساهماتك استعراض المواضيع التي لم يتم الرد عليها استعرض المواضيع الجديدة منذ آخر زيارة لي
أفضل 10 أعضاء في هذا الشهر
لا يوجد مستخدم

اهلا بك يا
عدد مساهماتك 105 وننتظر المزيد

المواضيع الأكثر نشاطاً
الدولة العباسية
اكلات مغربية شهية
قرص خاص بالتدريس عن طريق المقاربة بالكفاءات
موسوعة الطب لتعميم الفائدة
Informatique
موسوعة الطب لتعميم الفائدة2
للتعليم الجامعي بحوث مذكرات مواقع هامة جدا
هل تعلم ’?
كلمة مدير المنتدى
اسطوانات تعليمية من الابتدائي الى الثانوي - موقع مهم -
pirate
United Kingdom Pointer

 

 أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ocean
Admin
ocean


مزاجي *: : عادي
الجنسيه *: : جزائر
عدد المساهمات : 16284
تاريخ التسجيل : 21/07/2009

أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Empty
مُساهمةموضوع: أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي   أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي Emptyالخميس نوفمبر 05 2009, 00:46

أزمةُ التطوُّرِ الحضاريِّ في الوطَنِ العَربيّ (3)
الصراعُ بين التُّراثِ والحَداثـة من تجَـلِّياتِ الأزمة
علاء الدين الأعرجيّ

تذكيرٌ وتعقيب

في بحثنا لأزمةِ التطوُّر الحضاريِّ في الوطن العربيّ ارتطمنا، أوَّلاً، بجبَلَي العِلم والتِقانة (التكنولوجيا)، باعتبارهما من أهمِّ العناصر التي تُميِّز هذه الحضارة المتفجِّرة، إن لم يكُونا أهمَّها جميعًا، من جهة، وباعتبار ضعفهما من أبرز العوامل التي أَوْدَت بالعَرب إلى التخلُّف والتبَعيَّة، من جهةٍ أُخرى. لذلك أعربنا، في الحلقة الأُولى من هذه الدراسة،1 عن المُعاناة الفكريَّة والنفسيَّة التي يُواجهُها كلُّ مُراقبٍ عربيٍّ متأمِّل وهو يُواكبُ المستجدَّات العِلميَّة والتِّقانيَّة المُتسارعة في العالم المتقدِّم الذي أصبح يعجُّ بها. فهو، من جهة، يستبشرُ خيرًا بها، لأنَّها ما برحَتْ تـُـنَـوِّر وتـُـثَـوِّر العقلَ البشريَّ، فضلاً عن أنَّها تـُطوِّرُ الحياةَ البشريَّة، وتـُقاربُ ما بين الجماعاتِ والأفراد، وما بين الحضاراتِ والثقافات، كما تُسهِّل حياةَ الناس على مختلف الأصعِدة؛ ولكنَّه، من جهةٍ أُخرى، يتوقَّع شرًّا منها حين يتذكَّر أنَّ الأُمَّةَ العربيَّة غائبةٌ تماماً عن المسرح، وخاصَّةً عن المشاركة في إنتاج هذا التقدُّم الكاسح، وكأنَّها تعيشُ في عالمٍ آخر. ويُؤَدِّي هذا التناقضُ والتفاوتُ إلى نتائجَ مدمِّرةٍ للوطن العربيِّ والشعب العربيِّ. فكلَّما ازدادتِ الفجوةُ بين الطرفَين اتِّساعًا وعُمقًا، ازدادتْ سيطرةُ الطَرف الأقوى، علميًّا وتقانيًّا، على الطرفِ الأضعف، وهو البلدانُ النامية، وخاصَّةً الأمَّة العربيَّة، نظرًا لما تختصُّ به من ثرواتٍ طبيعيةٍ وبشريَّة، ولأسبابٍ أُخرى سياسيَّةٍ وإستراتيجيَّةٍ وتاريخيَّة.
ومن جهةٍ ثالثة، فإنَّ التفاوُتَ الهائلَ بين درجاتِ التقدُّم والتخلُّف، ودَرجاتِ الغِنى والفَقر في دُولِ العالَم، مِمَّالم يسبقْ له مثيلٌ في التاريخ، إلى حدٍّ أصبح فيه الأَثرياء، الذين يُمثِّلون خمسة في المئة، يتمتعون بقرابة 95 في المئة من ثروات العالم الطبيعيَّة والماليَّة والتِّقانيَّة، بينما يظلُّ 95 في المئة من البشر يتعيَّشون على الخمسة في المئة الباقية؛ يُضاف إلى ذلك التقارُب الشديدُ بين البلدان، والتواصلُ والتفاعلُ المتزايدان بين الأفراد والجماعات والشعوب، بسبب التقدُّم الإعلاميٍّ والعلميِّ والتِّقانيِّ نفسه، كما أسلفنا— أقول كلُّ ذلك أَسفرَ عن صراعٍ قد يتمخَّض غالبًا عن حروبٍ كاسحةٍ، أو—في أفضل الأحوال— عن سلسلةٍ من القلاقل المتواصِلة التي قد تنعكسُ أو ترتدُّ على البلدان المتقدِّمة نفسها، إمَّا بشكلِ هِجراتٍ أو تسلُّلاتٍ بشريَّةٍ مُتواصلة، الأمرُ الذي يُسفر عن زعزعةِ الأوضاع في تلكَ البلدان، ويخلقُ مشكلاتٍ ثقافيَّةً واجتماعيَّةً وحضاريَّةً مُتعدِّدة، وصراعاتٍ داخليَّة، وتغيُّراتٍ في البنيةِ الديموغرافيَّة لتلك المجتمعات (عُقدت في أواخر حزيران (يونيو) 2002، في إشبيلية بإسبانيا، قمَّةٌ أوروبيَّةٌ لمواجهةِ مُعضلةِ تسلُّل المهاجرين غير المشروع إلى البُلدان الأوربيَّة). وعلى صعيدٍ آخر، قد تُؤَدِّي هذه السلسلة من القلاقِل والأوضاع المتفاقمةِ إلى أحداثٍ مأساويَّةٍ تُصيبُ الناسَ الأبرياء، سواءٌ في بعض البلدان المتقدِّمة، أو في بعض البلدان الفقيرة أو المتخلِّفة. وهذا ما حدثَ فعلاً في كارثةِ الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، وما أعقبَها من الحرب الأفغانيَّة، واحتمالاتِ نشوبِ حروبٍ أُخرى مُحتمَلة،كالحرب ضدَّ العراق. لذلك خصَّصنا الحلقةَ الثانيةَ من هذه الدراسةِ لظاهرة الحرب،2 باعتبارها واحدةً من الإفرازات الجانبيَّة المُفجِعة، للتنافُس العلميِّ والتِقانيِّ، وبالتالي الاستعماريِّ، الذي حصلَ خلالَ القرن الماضي، وأَسفرَ عن نشوبِ حروبٍ عالميَّة، وعشراتِ الحروبِ الأهليَّةِ والإقليميَّة الأُخرى؛ سقطَ ضحيَّتَها قرابة 175 مليونًا من القتلى وأعدادٌ مضاعفة من الجرحى والمَعوقين والمُشرَّدين، عَدا الخرابَ الرهيب، كما يُقدِّر بريجنسكي، مُستشار مجلس الأمن القوميِّ السابق في الولاياتِ المتَّحدة. 3
والسؤالُ الذي يطرحُ نفسَه في هذا المقام هو: هل التقدُّمُ العلميُّ والتقانيُّ هو أصلُ المُشكِل، أم المشكلُ هو فقدانُ القيَمِ الإنسانيَّةِ والأخلاقيَّة، القائِمةِ على المُساواةِ والعدالةِ الاجتماعيَّةِ وحقوقِ الإنسان؟ ولعلَّ من أبرزِ مظاهِر فقدانِ تلكَ القيَم تنافسَ الدولِ القويَّةِ على استغلالِ ثرواتِ البلدان الضعيفة ونهبِها واستعبادِ السكَّان لبناءِ الإمبراطوريَّات العظيمةِ على أكتافِهم، كما حَدثَ سابقًا وما زال يحدثُ يوميًّا. وهنا يبرزُ سؤالٌ آخَر مفَادُه: ألَم يكنْ هذا منطقَ التاريخ، وواقعَ الحياةِ البشريَّةِ القائمةِ على استغلالِ القويِّ للضعيف، سواءٌ على الصَّعيدِ الفرديِّ، أو على صعيدِ المجتمعاتِ والدُوَل أو الحضارات، إذْ سيطرت، على وجهِ العُموم، الحضاراتُ الأقوى على الحضاراتِ الأضعف، الحضاراتُ الصاعدةُ على الحضاراتِ البائِدة، منذُ فجرِ التاريخ المعروف حتَّى اليوم؟4 وفي العصرِ الحديث، أَلم تُسيطر الحضارةُ الغربيَّةُ الجديدةُ الصاعدةُ على مُعظم الحضاراتِ العريقةِ الهرِمة، بما فيها الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة التي تعرَّضت لذلك التحدِّي منذ عام 1798، حين غزا نابليون مصر؟
بل هل يَصحُّ القولُ: إنَّ مظاهرَ ذلك التحدِّي والاحتلالِ والاصطدامِ هي التي أيقظَتْ أُمَّةَ العَربِ من سُباتها، وبعثَتْ فيها بعضَ الروح، بعد أن كانت قد خَمَدت، على مَرِّ مئاتِ السنين، منذُ انحسارِ حضارتهِا التليدة؟ أَم إنَّ هذا التَحدِّي قد أسفرَ، من جهةٍ، عن صدمةٍ أدَّت، في بعض الحالات، إلى ظاهرةِ النكوص إلى الماضي والاستنجادِ بالتُراث، أو الاتِّكاءِ على أنقاضِ حضارةٍ أَفلَتْ منذُ أكثرَ من سبعةِ قرون؟ ومن جهةٍ أُخرى، هل أدَّى ذلك التحدِّي إلى وضع البُلدان الناميةِ أو المتخلِّفةِ أمامَ خَيارَين: إمَّا المُشاركة الفعَّالة في الحضارةِ الغربيَّةِ المتفجِّرة وتبنِّي نظُمِها ومُؤَسَّساتِها وفكرِها وعلومِها، وإمَّا الخضوع لتلك الحضارة، ثقافيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا ومصيريًّا؟

أهمِّـيَّةُ النظَر في مسألة التُراثِ والحدَاثة
تجرُّنا هذه التساؤلاتُ إلى قضيَّةٍ طالَ حولهَا الجدلُ والاختلاف، وظلَّت مطروحةً على الساحة الفكريَّة لأهمِّيـَّتها في المرحلة التي مرَّت بها الأمَّة العربيَّة منذُ اصطدامِها بالغَرب حتَّى يومنا هذا؛ ونقصدُ بها مسألةَ الصراع بين "التُراث والحَداثة". فهذه الإشكاليَّةُ التي شغلَت الكتَّاب والمفكِّرين العَرب، منذُ أكثرَ من قرنٍ ونصف تقريبًا، ما زالت ساخنةً، بل ظلَّت تتأجَّج، بسببِ الخلافِ المحتدِم اليوم أكثرَ من أيِّ وقتٍ مَضى بين أنصار التُراث وخصومه، إن صحَّ التعبير. إذْ يرى الفريقُ الأوَّل، على وجهِ العموم، أنَّ العرب أصحابُ حضارةٍ متميِّزة، انبثقتْ بظهور الإسلام، وتطوَّرت وازدهرت به، وهو لا يزالُ ينمو وينتشرُ بين أكثر من مليار ومئتَي مليون من البَشر. كما وصلَت الأمَّة العربيَّة بالإسلام إلى أعلى مراتبِ الحضارةِ الإنسانيَّة، ليس في ميادين العلوم الدينيَّة والفقهيَّة فحسبْ، بل في ميادين العلوم الدُّنيويَّة أيضًا؛ لذلك فإنَّ علينا إحياءَ تلك الحضارة، ليعودَ للأمَّة وجهُها المُشرقُ ومجدُها التَليد. بينما يقولُ الفريق الثاني، وخاصَّة المتطرِّف، إنَّ التمسُّكَ بالتُراث شكَّل أهمَّ عقبةٍ في سبيل تقدُّم هذه الأمَّة، وأدَّى إلى تخلُّفها عن باقي الأُمم المتحضِّرة، فضلاً عن الأُمَم الأُخرى التي استطاعتْ أن تلحقَ بركبِ الحضارة، مثل اليابان. وإنَّ القَولَ بأنَّ بالإمكان إعادةَ أمجادِ الأُمَّة الغابرة يدلُّ على جهلٍ بسُنَّة التطوُّر. لذلك ينبغي نَبذُ التُراث، أو وضعهُ في متاحف الآثار القديمة. وسنأتي على تفصيلِ بعض هذه المواقف فيما بعد.
وبالإضافة إلى خطورةِ التعرُّض إلى مسالة "التُراث والحدَاثة"، في هذا الوقت الذي تحتدمُ فيه المواجهاتُ مع "الآخَر"، من جهة، ومع "الذات"، من جهةٍ أُخرى، فإنَّ هذه المسألةَ تتعلَّقُ مباشرةً بموضوع "أزمةِ التطوُّر الحضاريِّ في الوطن العربيِّ"، الذي أحاولُ أن أُلقيَ عليه بصيصًا من الضوء، دونَ ادِّعاءِ أنَّني قادرٌ على استيعابهِ أو استيفاءِ حقِّه. ومع ذلك فإنَّ النقطة التي كنتُ، ولا أزال، أُحاول تأكيدَها في الحلقتَين السابقتين، وفي هذه الحلقة، هي أنَّ عاملَ التقصير في طلب "العِلم والتِقانة"، من جانبِ العرَب، شكَّل سببًا حاسمًا في تخلُّفهم وتعرُّضِهم للأزماتِ والكوارث التي نشهدُها كلَّ يوم. والواقعُ أنَّني ما زلتُ أشعرُ أنَّ هذه النقطةَ لم يُسلَّط عليها القَدْرُ الذي تستحقُّه من الضَوء، من جانب المفكِّرين والكتَّاب العرَب. كما أرى أنَّ إشكاليَّةَ "التُراث والحدَاثة" قد أسهمت، بشكلٍ مباشرٍ وغير مباشر، في تكريس ذلك العَامِل الحاسِم، وهو تقاعسُ العربِ في ميدانِ العلم والتِّقانة، الأمرُ الذي حفزَني على إلقاءِ خيطٍ من الضوء عليها، في حدودِ إمكانيَّاتي المتواضعة، ومحدوديَّة المجال المُتاح في هذه المطبوعة الغَرَّاء.
وفي هذه المناسبة أعترفُ بأنَّني صاحبُ موقف واضح ومُحدَّد من موضوع التُراث والحداثة. ولا شكَّ بأنَّ القارئَ الكريم سيكتشفُ بعضَ ملامح مَوقفي من خلال هذا البحث. ولكنَّني أرجو أن لا يتسرَّعَ في الحُكم، بل ينتظر إلى أن يطَّلع على الجزء الثاني. ومع ذلك قد أُسارع إلى إعطاء القارئ فكرةً خاطفةً عن موقفي، فأقول: أُعارض الذين يرفضونَ الحداثة، وأُعارض الذين يرفضون التُراث. وسأوضحُ ذلك مستقبلاً.
وهكذا، أرجو أن أستميحَ القارئَ الكريم عذرًا عن احتمالاتِ الخطإ والزَلل، وما قد يُحمَلُ على مَحملِ التعصُّب. كما أستبشر، دون أيِّ تحفُّظٍ، بكلِّ نقدٍ أو تعليقٍ أو اعتراض، بل أيِّ هجوم. ذلك لأنَّ أيَّةَ مُداخلة، سلبيَّةٍ أو إيجابيَّةٍ، قد تفتح لي أُفقًا جديدًا، وتُسدِّد خُطاي بهدفِ تعديل البَحث أو إثرائِه.

تحديدُ مفهوم "التُراث" و"الحداثة"
لفظةُ "التُراث" مصدرٌ مشتقٌّ من الفعل "وَرِثَ"، وهي مرادفةٌ، في المعجم العربيِّ، لـ"الإرث" و"الميراث" و"الوِرث"، وتعني ما يَرِثُه الفردُ من أهلهِ من مَالٍ أو حَسَـب. ولكنَّها أصبحتْ تتضمَّن لدى العرب والمسلمين، في العَصر الحديث، معانيَ جديدة، مُحمَّلةً بسَيلٍ من الشِّحناتِ الوجدانيَّة والمضامين الدينيَّة أو الإيديولوجيَّة والذكريات أو الانطباعات التاريخيَّة قد تتجاوزُ ما تحملُه كلمة heritage بالإنكليزيَّة والفرنسيَّة. ويدلُّ هذا التعبيرُ اليومَ على الموروث الثقافيِّ والفكريِّ والدينيِّ والأدبيِّ والفنِّـيِّ والعلميِّ، أو بالأحرى، ما بقي في "العقل المجتمعيِّ" العربيِّ من هذه الموروثات، أي ما يعتقدُ الفردُ والجماعةُ أنَّه من هذه الموروثات. ويرى محمَّد عابد الجابري أنَّ التراثَ لا يُنظَر إليه باعتباره من بقايا ثقافةِ الماضي بل باعتباره "تمام هذه الثقافة وكلِّـيَّتها: إنَّه العقيدةُ والشريعةُ واللغةُ والأدب، والعقلُ والذهنيِّة، والحنين والتطلُّعات." ويُقصَد بذلك أنَّ التراثَ يُعتبَـرُ المثالَ الأعلى للمَوروث، وليس الموروثَ ذاتَه. وتأكيدًا لهذا المعنى يُضيف "إنَّ التراثَ في الوعي العربيِّ المُعاصر لا يعني فقط حاصلَ الممكناتِ التي تحقَّقت، بل يعني كذلك حاصلَ الممكناتِ التي لم تتحقَّق، وكان يمكن أن تتحقَّق."5 وهذا المفهوم يستحقُّ المناقشة فيما بعد، حين سنحاول تفسيرَ العلاقة الدقيقة بين التُراث، بهذا المفهوم، وفرضيَّتنا في "العقل المجتمَعيّ"، التي سنأتي على شرحها في الجزء الثاني من هذا البحث.
أمَّا الحَداثة (مصدر حَ د َثَ) فلها مفاهيمُ متعدِّدة. ويُمكن أن نكتفيَ بتعريفها بأنهَّا تغييرٌ في المنهجِ والرؤيةِ والهدَف، وتحريرُ التراث من مضمونه الإيديولوجيّ والوجدانيّ الذي يُضفي عليه طابعًا مُطلقًا، بعيدًا عن المفهومِ النسبيِّ والتاريخيّ الذي تلتزمُه الحداثة. ونعتبرُ العقلانيَّة والديمقراطيَّة أهمَّ مُقوِّماتها.6 ويُمكن أن نعتبرَ عصرَ "ديكارت"(1596-1650) بدايةَ مرحلة الحداثة الأوربِّـيَّة، باعتباره مهَّدَ الطريقَ للقطيعة مع التُراث اليونانيِّ وخاصَّةً فلسفة أرسطو.

صدمةُ الحداثة: النكوصُ إلى الماضي،
أم النهوضُ لمواجهة المستقبل!
يكاد يتَّفقُ جمهورُ الكتَّاب والمفكِّرين العَرب على أنَّ الشرارةَ الأُولى التي أيقظَت العربَ من نومهم الطويل قدَحَتها حملةُ نابليون على مصر في عام 1798، أي إنَّ السببَ الأوَّل للنهضةِ العربيَّة، إن صحَّ التعبير، هو "الآخَر": الغَرب المُحتـَلّ أو المُستعمِر. يقولُ الجابريّ، الذي يُعتَبر أحد مُمثِّلي الاتِّجاه العقلانيّ: "إنَّ النهضةَ العربيَّة كانت أساسًا، ومنذ البداية، وليدةَ الصدمةِ مع قوَّةٍ خارجيَّةٍ ومُهَدِّدَة، قوَّة الغَرب وتوسُّعه الرأسماليّ."7
ويقولُ محمَّد عمارة، الذي يُعتبر أحد مُمثِّلي الاتِّجاه السَّلَفيِّ المعتدل: "كان منطقيًّا ومُبرَّرًا تمامًا ذلك المشهدُ الذي استيقظَ له الشرقُ العربيُّ وفتحَ بسببه عقلَه وعيونَه، مشهدُ الغَرب الذي عاد في صورة بونابارت، ومن بعده مَن تَلاهُ من الغُزاة، لينتصرَ عسكريًّا، بعد أن انتصرَ في بلاده حضاريًّا... وعندما أدهشَ هذا المشهدُ عقلَ العَرب وقلبَهم، حرَّكَ فيهم ما يُحرِّكه مَسُّ الكهرباء، إذا هي لم تصعقْ فتُميت، وإذا هي وقفَتْ عند حدِّ الإيقاظ والتنبيه."8
ويضيفُ راشد الغنوشي، أحدُ مُمثِّلي السَّلَفيَّة الخالصة: "لم يَصْحُ العالَمُ الإسلاميُّ من غطيطهِ الطويل إلاَّ على مَدافع الغَرب تدكُّ كهوفَه المُتداعيةَ وتُقوِّضُ مُؤسَّساتِه، فتصدمهُ في كبريائهِ وطمأنينتهِ الزائفة إلى سلامةِ أوضاعه... فكانت صدمةً عنيفةً في شُعور المُسلم أيقظتهُ من نَومةِ الانحطاط."9
فهل يمكنُ القول إنَّ هؤلاء الكُتَّاب، على اختلاف مَذاهبهم، يُنوِّهون بفَضْلِ الغربِ في إيقاظِ الأُمَّة العربيَّة والإسلاميَّة من سُباتها، ودَفْعها للاضطِلاع بنهضتها؟ لكنَّ السؤالَ الأهمَّ هو: هل كانت تلك الصدمةُ كافيةً لإيقاظِ العرب فعلاً؟ وهل أدَّت، تلك الصدمةُ إلى تحقيق النهضةِ المنشودة، حتَّى في حُدودها الدُنيا؟ وهل الصدماتُ العنيفةُ التاليةُ التي توالتْ على الأُمَّة، بما فيها نكبةُ فلسطين ونكبةُ حربِ الخليج ونكبةُ الشعب العراقيِّ وغيرها، كانت كافيةً لإيقاظ العَرب من سُباتهم؟ الواقع المتردِّي الراهِن يُعطينا إجابةً سلبيَّة.
كما يكشفُ لنا هذا الواقع، من جهةٍ أخرى، أنَّ الصدماتِ تتوالى على العرب في كلِّ يوم، من خلال تعامُلهم مع "الآخَر"، سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا واجتماعيًّا؛ بل إنَّ الصدمةَ تحدثُ في كلِّ لحظةٍ، لو أحسنَ العربُ الإصغاءَ والاعتبار؛ إذْ إنَّها تعصف، مثلاً، مع كلِّ كَشفٍ علميٍّ أو طِبِّيٍّ جديد يُحقِّقُه الغرب، ومع كلِّ ابتكارٍ تِقانيٍّ تنتفعُ منه البشريَّة، ومع كلِّ عملٍ فكريٍّ أو فلسفةٍ جديدةٍ تُفسِّرُ وتُنـَظِّر الواقعَ بطريقةٍ مُختلفة. كلُّ حَدَثٍ من هذه الأَحداث يُمثِّل، فعلاً، قنبلةً تفوقُ في حَجمها ومَفعولها مَجموعَ القنابل التي أَطلقها أسطولُ نابليون على حصون الإسكندريَّة في عام 1798، لو اعتبرَ العرب، وتنبَّهوا وأدركوا ماذا تعني هذه الكُشوف، وما هي آثارُها على مَصيرهم وبقائِهم. والمهمُّ، أيضًا، أنَّ تلك الصدمةَ قد أفرزَتْ معركةَ الصِراع بين القديم والحديث، بين التُراث والحداثة ، أي الموضوع الذي نحن في صَدَدِه اليوم.
وعلى صعيدٍ أدنى وأبسط ، ولكنْ ربَّما أعمق، أذهبُ إلى أبعد من ذلك، فأقول: إنَّ أيَّ منتوجٍ يصلُ إلى يَدِ المُستهلك العربيّ، خاصَّةً إذا كان يعيشُ في المهجر، يحملُ إشارةً تدلُّ على أنَّه صُنِعَ في تايوان أو كوريا أو إسرائيل، مثلاً، خاصَّةً إذا كان مُتَّسِمًا بالدِقَّةِ الفنِّـيَّة، أو المهارةِ التِّقنيَّة، يجب أن يُشكِّل، إن لم أقلْ صدمةً، فعلى الأقلِّ، رسالةً، ذاتَ أثرٍ بعيدِ الغَوْر، أو مُنبِّهًا يصرخُ في أُذنِ كلِّ عربيٍّ نابِـه: "أين المنتوجُ العربيّ؟ ولماذا لا نُصادف يومًا منتوجًا تِقنيًّا كُتِب عليه صُنِعَ في مصر أو في لبنان أو السعوديَّة، مثلاً!؟ ونظرًا لأنَّها أكثرُ من أن تُحصى أو تُعَدّ، لا أريدُ أن أغرقَ في بيان أبعادِ هذه الصدماتِ والرسائل العنيفة، التي يتلقَّاها العَربُ في كلِّ يوم، منذُ عشرات السنين دون أن يتحرَّكوا، على أيِّ نحوٍ مُناسب، ولكن لا بُدَّ من أن أُضيف وأؤكِّدَ أنَّ لهذه الرسائل أهمِّـيَّةً أعظم، بالنسبة للمُستهلِك الأجنبّي ،وخاصَّةً الغَربيّ، الذي لا يتذكَّرُ العربيَّ والمسلمَ (وهو لا يُفرِّق بينهما عادةً) إلاَّ من خلال أفعالِ الهَدْم (كما حدثَ في أفغانستان حين دُمِّرَت تماثيلُ بوذا الأثريَّة) أو أعمالِ العُنف والإرهاب، حسبما تُحدِّدُها وتُروِّج لها وسائلُ إعلامِه، لا من خلال أنشطةِ الإنتاج والإبداع وخدمة البشريَّة، التي تضطلعُ بها حصراً المجتمعاتُ "المتمدِّنة".
وعلى صعيدٍ آخَر، إنَّ هذه الصَّدماتِ والرسائلَ القاسية كانت، ولا تزال، تُثير، بل تُسعِّرُ وَطيسَ معركةِ التُراث والحداثةِ التي نعتبرُها معركةً خَسِرَ فيها الطرفان المتصارعانِ في المجتمع العربيّ؛ أو بالأَحرى معركةً أَوْدَت بالوضع العربيِّ إلى أدنى المُستويات، حتَّى بالنسبةِ لبقيَّةِ البلدان النامية، كما يقول تقريرُ برنامج الأُمم المتَّحدة الإنمائيّ الذي صدرَ مُؤخَّراً (منتصف 2002).10 ففي الوقت الذي ظلَّ الطرفان يتجادلان ويتنازعان، خلال أَكثر من قرنٍ ونصف القرن، بشأن السُفور والحِجاب، وحقِّ المرأة في قيادةِ السيَّارة، وغيرِ ذلك كثيرٍ جدًّا من الأُمور التي قد تُعتبَرُ تافهةً؛ أو الوقت الذي كنّا فيه، ولا نزال، نتنازعُ بشأن ما نأخذُ من الحضارة الحديثة، وماذا نرفض— أَقول، خلال هذه الفترةِ الطويلة، ازدادت الفجوةُ بين الغربِ والأُمَّةِ العربيَّة من عشرة أَضعاف، في زمن حملةِ نابليون، إلى أكثر من مئةِ ضعف، في نهايةِ القرن العشرين. وهذا تقديرٌ جِدُّ متواضع، في نظري،بدليل أنَّ الفارقَ بين العرب وإسرائيل في براءات الاختراع فقط يبلغُ ألفَ مرَّة، حسب تقدير د. نادر فرجاني، المُشرف على إعداد تقرير الأُمم المتَّحدة الأخير، المشار إليه أعلاه.11

معركةُ التُّراث والحَداثة
مع ذلك، فإنَّ هذه الصدمةَ، أو بالأَحرى الصَدمات، قد أثارتْ، على الأقلِّ، قَدْرًا من الحركة التي يُطلَقُ عليها "حركةُ النهضةِ العربيَّة الحديثة".12 هذه الحركةُ الفكريَّة طرحَت هذا السؤالَ الخطير: لماذا تخلَّفَ العربُ والمسلمون حضاريًّا، وخاصَّةً عِلميًّا وتِقانيًّا في الوقت الذي تقدَّم فيه غيرُهم؟ وهو السؤالُ الذي يدورُ حولَ محورِ أزمةِ التطوُّر الحضاريِّ في الوطن العربيِّ.
هناك وجهاتُ نظَرٍ متعدِّدة في هذا الموضوع الذي يمكنُ أن يندرجَ ضمنَ ثُنائيَّةِ "التُراث والحَداثة"، وأحيانًا يُطرَحُ بصيغةِ "الأصالة والمعاصَرة". فلنُحاولْ تَقسيمَ الآراءِ الواردةِ بشأنه إلى اتِّجاهَين أساسيَّين يتضمَّن كلٌّ منهما عددًا من المواقف، هما الاتِّجاهُ السَّلَفيُّ والاتِّجاهُ الليـبراليّ؛ أمَّا الموقف الانتقائيُّ، فهو موقفٌ وَسَطيٌّ يميلُ قليلاً أو كثيرًا نحو هذا الاتِّجاه أو ذاك. وسنشرحُ ذلك أدناه. عِلمًا بأنَّ هذه الأصنافَ لا يفصلُ بعضَها عن بعض حدودٌ صارمةٌ وقاطعة، بل تتداخلُ أو تتقاطعُ أحيانًا، إضافةً إلى اختلاف وجهاتِ النظر في أيِّ تصنيفٍ مُقترح.

أوَّلاً: الاتِّجاهُ السَلَفيّ
يكادُ يتَّفقُ دُعاةُ الاتِّجاهِ السَلَفيِّ على أنَّ السببَ الأوَّل لتخلُّف العَرب والمسلمين هو عدمُ التزامهم للنموذجِ العربيِّ الإسلاميِّ الأصيل. وبعد ذلك يَتفاوتون ويختلفون.
فمنهم من يَدْعو إلى التزامِ النصِّ الدينيِّ، وسيرةِ الرسول (ص) والصَّحابة (ع). ويتيمَّنون بقول الإمام مالك بنِ أَنس: "لا يصلحُ أمرُ هذه الأمَّة إلاَّ بما صلُحَ به أوَّلُها." وهم يَرفضون جميعَ مظاهرِ العَصر ونُظُمِه ومُؤَسَّساته، ويعتبرونهُ عصرَ جاهليَّة، ينبغي نبذهُ تمامًا للعودةِ إلى المنابع الأصليَّة للسَّلَفِ الصالح. وسنشيرُ إلى هذا الفريق في النموذج الثاني أدناه.
ومنهم مَن يقبلُ الأَخذَ بحضارةِ العَصر الحديث، مِمَّا لا يتعارضُ مع أحكام الشَريعةِ الإسلاميَّة، أو ما يُمكن تفسيرُه وتبريرُه في إطارها. كما إنَّهم يتوسَّعون في مفهوم السَّلَف الصالح ليشملَ بعضَ العصور التاريخيَّة، وخاصَّةً تلك التي كان فيها الخليفةُ صالحًا ويستشيرُ أهلَ الحلِّ والعَقْد. وسنذكرُ شيئًا عن هذا الفريق في النموذج الأوَّل أدناه.
ومنهم مَن يوصَفُ بالسَلَفيِّـين المُؤَوِّلين، الذين يدعون إلى البحثِ في نُظُمِ الحضارةِ العربيَّة الإسلاميَّة وقيَمِها عن أشباهٍ ونظائرَ في الحضارةِ الحديثة ومُؤَسَّساتها، وتجويز الأخْذِ بها باعتبارها ذاتَ أُصولٍ إسلاميَّة. فالديمقراطيَّة، مثلاً، هي الشُّورى الإسلاميَّة، وترتبطُ الاشتراكيَّة بفريضةِ الزَّكاة وحقِّ الفُقراء في أموال الأغنياء إلخ.13
ومنهم من يَرى أنَّ الكُشوفَ العلميَّة الحديثةَ موجودةٌ بشكلٍ صريحٍ أو رمزيٍّ في القرآن الكريم، كتفسير آية "وجعَلنا من الماء كلَّ شيءٍ حَيّ،" باعتبارها تُـثبتُ أصلَ الحياة وبعضَ الحقائق البيولوجيَّة المكتشَفة حديثًا. وربَّما يرى البعضُ أنَّ فكرةَ سُفن الفضاء موجودةٌ في سورةِ الإسراء. ويرى بعضُهم أنَّ التُراثَ العربيَّ الإسلاميَّ ينطوي على معظم النظريَّات والمكتشفات الحديثة،14 ليثُبتَ قصبَ السَّبق للعَرب، في جميع العلوم الحديثة تقريبًا، أي أنَّ التُراثَ يتضمَّن مُنجزاتِ الحاضر. وهذه نظرةٌ لاتاريخيَّةٌ تضرُّ بالتُراث وموقف التُراثيِّين أنفسهم، سنوضحُها في الفقرة التالية. وتردُّ بنتُ الشاطئ، التي تُعتَبَر ضمن التيَّار السَلَفيِّ المنفتح، مستنكرةً أن يكونَ القرآنُ الكريم كتابًا في عِلم الطبيعةِ أو البيولوجيا، وتُشدِّد على وظيفتهِ الإنسانيَّة والأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والدينيَّة.15
وتعليقًا على هذا الاتِّجاهِ السَّلَفيِّ الأخير الذي ينحو إلى نسبةِ معظم المكتشفاتِ الحديثة إلى التُراث العربيِّ الإسلاميّ، يرى بعضُ المفكِّرين الليبراليِّين أنَّه لا يخدمُ أصحابَه، لأنَّ هذه النظرةَ غيرَ التاريخيَّة تدلُّ على تخلُّفٍ فكريّ. ذلك لأنَّ العَرب يعجزون عن تقييم كلِّ مرحلةٍ من مراحل التاريخ في إطارها الخاصّ. فهم لا يستطيعون تقييمَ تُراثهم المجيد فعلاً، في زمانه ومكانه، دون النظر إليه بمقياس الحاضر. وعلى نفس المنوال لا يمكنُ النظر إلى الحاضر بمقياس الماضي. فالعلومُ الحديثة وصلَتْ إلى ما وصلَتْ إليه اليوم بتراكُمٍ أو تفاعُلٍ مَعرِفيٍّ جدِّ قديم. ولا أحدَ يُنكِرُ فضلَ الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة على النهضة الأوربيَّة؛ ولكنَّ المبالغة في تفسيرِ نظريَّات العلماءِ العَرب وتأويلِها لتُوافقَ النظريَّاتِ الحديثة تضرُّ بالقضيَّة العربيَّة والفكرِ العربيِّ عمومًا. فمن جهةٍ تجعلُ التُراثَ العربيَّ الإسلاميَّ مُتَّكأً للعرب ومُبرِّرًا لفشلهم في المشاركةِ في إنتاج العلوم الحديثة. ومن جهةٍ أُخرى، فإنَّ مقارنةَ علوم العَرب التالِدة بعلوم الغَرب الحديثة، وتقييمَ الأُولى بمقدار قُربها من الثانية، هو إبخاسٌ في حقِّ تلك العلوم العربيَّة، لأنَّها تعني ضمنًا أنَّها أقلُّ من العلوم الغربيَّة في العصر الحديث. بينما هي ليست كذلك إذا قيستْ بمقياس زمانها.16
وعلى العُموم، يُنتَـقَدُ أصحابُ الاتِّجاهِ السَلفيِّ بسبب نظرتهم اللاتاريخيَّة إلى التاريخ، بوجهٍ عامّ، وإلى التُراث، بوجهٍ خاصّ. وتَعني هذه النظرةُ أنَّ قوانينَ الماضي وأعرافَه وقيمَه يمكنُ أن تُطبَّقَ على الحاضر وعلى المستقبل، إمَّا بسبب قُدسيَّتها، أو لأنَّها ساميةٌ ومُطلقة، إلى حدٍّ يجب استعادتُها بحذافيرها، بل يجبُ تطويع الواقع الحاضر والمستقبل لينسجمَ معها. وهذا ما قد يدعو إليه بعض المتطرِّفين من هذا الفريق. والنظرةُ التاريخيَّة تدعو إلى فَهْمِ التاريخ باعتباره مراحلَ متلاحقة لكلٍّ منها وضعُه الخاصُّ المرتبطُ بالزمان والمكان، استنادًا إلى سُنَّة التطوُّر.17 وهناك حديثٌ شريفٌ يُنسَبُ إلى الرسول (ص)، يقول "ربُّوا أولادكم لزمانٍ غير زمانكم". وهذا اعترافٌ صريحٌ بسُنَّةِ التطوُّر، وإدراكٌ عبقريٌّ لأحكامها. وثمَّةَ قولٌ، بهذا المعنى، يُنسَب إلى الإمام عليٍّ (ع)، يقول "لا تَقسِروا أولادَكم على أخلاقكم، فإنِّهم مخلوقون لزمانٍ غير زمانكم."
وإيضاحًا للاتِّجاه السَلَفيِّ نُقدِّم، بكلِّ اختصارٍ، نموذجَين، أو مَوقفين، أحدُهما يُمثِّل، في نظرنا، جزءًا من الموقف السَّـلَفيِّ الانتقائيِّ، إن صحَّ التعبير، والثاني يُمثِّل جزءًا من الموقف السَّـلَفيِّ الخالص. ومن خلال ذلك، نستعرضُ بعضَ ما ارتآه أو قالَه هذا الفريق أو ذاك.
النموذجُ الأوَّل: في أعقابِ حملة نابليون على مصر، ارتفعَت أَصواتُ فئةٍ من رجال الدين مِمَّن يُنادون بالتغيير. فبعد أن اطَّلع الشيخ حسن العطّار، شيخُ الأزهر، على أنشطة العُلماء الذين استصحبهم نابليون معه، صرَّح قائلاً: "إنَّ بلادَنا لابدَّ أن تتغيَّر، ويتجدَّد بها من العلوم ما ليس فيها."18
كما أكَّد الشيخ رفاعة الطهطاوي "الحاجة الشديدة إلى التغيير كيما تستيقظ "أُممُ الإسلام من نومِ الغَفلة، وتبحث عن العلوم البرَّانيَّة، والفنون والصنائع، وهي التي كمالُها ببلاد الإفرنج ثابتٌ شائع، والحقُّ أحقُّ أن يُتبَع."19
ويُلخِّص علي المحافظة بعضَ آراء الشيخ محمَّد رشيد رِضا، فيقول إنَّه دعا إلى "استقلال الفكر وحرِّيـَّة العقل في العلم واجتنابِ تقليد العلماء"، و"لم يدَّخرْ وسعًا في الإتيان بالأدلَّة القرآنيَّة والأحاديث النبَويَّة ليُؤَكِّد أنَّ الإسلام دينُ العلم والحكمة والحجَّة والبرهان."20

محمَّد عبدُه
وسنتوقف قليلاً عند أحد أقطابِ عصرِ النهضة، الشيخ محمَّد عبدُه، الذي يدعو، بين أمورٍ أُخرى، "إلى تحرير الفكر من قَيد التـقـليد، وفَهْمِ الدِّين على طريقةِ سلَفِ الأُمَّة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كَسبِ المعارف إلى ينابيعها الأُولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشريِّ التي وضعها الله لتردَّ من شَطَطِه وتُقلِّلَ من خَلطِه وخَبطِه،" العقل الذي يصبح "صديقًا للعلم، باعثًا على البحث في أسرار الكون، داعيًا إلى احترام الحقائق الثابتة، مُطالبًا بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل."21
وبمناسبة التشديد على "العقل"، في النصِّ السابق، يُعلِّق الجابريُّ على مفهوم العقل في الخطاب السَّلَفيِّ، بوجهٍ عامّ، فيقول: "كان الخطاب السَّلَفيُّ، ولا يزال، يُنوِّه بالعقل ويدعو إلى الاحتكام إليه. ولكنْ أيّ عقل؟ إنَّه العقل الذي يرجع في اشتقاقه إلى"عقَلتَ البعيرَ إذا جمعتَ قوائمَه ومنعتَه من الحركة أي من النهوض." ويُضيف: إنَّهم يقصدون به "في الجملة العقل الأشعريَّ الذي حدَّده الغزالي تحديدًا واضحًا حينما وصفه بأنَّه العقل الذي يدلُّ على صدق النبيِّ ثمَّ يعزلُ نفسَه."22
ولا يكتفي الجابريُّ بهذا النقد اللاذع لمفهوم العقل في العربيَّة، وفي الفكر السَّلَفيِّ، بوجهٍ عامّ، بل يُبادر إلى نقد العقل في فكر الشيخ، قائلاً: "العقلُ السَّلفيُّ إذًا مكبوحُ الجماح، مردودُ الشَطط، لا يُنـتِجُ العلمَ بل هو ’صديقٌ‘ له فقط، يـبحث في ’أسرار الكون‘ ولكنْ مع ’احترام الحقائق الثابتة‘... إنَّه عقلُ الماضي، لا بل العقل السُّـنِّـيُّ الذي ردعَ وكبحَ مسيرةَ نهضة الماضي التي شيَّدَها عقلُ المعتزلة والفلاسفة والعُلماء." ويمضي الجابريُّ في نقدِه للفكر السَّلفيِّ قائلاً: "وهكذا فتحريرُ الفكر في المنظور السَّلفيِّ عمومًا لا يعني الخروج به من الدائرة التي كان يتحرَّكُ داخلَها أثناء عصر الانحطاط، عصر ما قبل النهضة، بل يعني إعادةَ مَوضَعتِه داخل هذه الدائرة نفسها. وبعبارةٍ أُخرى لقد فكَّر الشيخ عبده في تحرير الفكر داخل الحقل المعرِفيّ-الإيديولوجيّ القديم وضمن إشكاليَّته." ويرى الجابريُّ أنَّ إشارة الشيخ إلى عبارة "قبل ظهور الخلاف" تعني الرجوع بالفكر العربيِّ الإسلاميِّ إلى مرحلة ما قبل ظهور العقل في الحياة الفكريَّة العربيَّة الإسلاميَّة. ويُشير إلى عبارة الإمام مالك: "لا يصلحُ أمرُ هذه الأمَّة إلاّ بما صلحَ به أوَّلها" المذكورة أعلاه، بأنَّها تعبيرٌ دقيقٌ لهذا النكوص إلى الماضي الإسلاميّ، إلى مرحلة ما قبل تكوُّن العقل الذي أنتج الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة.23
وأقول، تعليقًا على ذلك، إنَّ من الصعوبة بمكان الحُكم على الشيخ محمَّد عبدُه بهذه العُجالة والحسم، ومن خلال نصٍّ واحد، أو بضعة نصوص، لأنَّ فكرَه متشعِّبٌ ومختلف. ومع أنَّني أشرتُ منذ البداية إلى عدم وجود حدودٍ قاطعةٍ بين بعض المفكِّرين من هذه الفئة أو تلك، إلاَّ أنَّ من الأعدل أن يُصنَّف الشيخ في خانةٍ خاصَّةٍ مستقلَّة، لأنَّه يقترب أحيانًا من فئة الليبراليِّـين. فهو يعترف، مثلاً، "بمدنيَّة السلطة في المجتمع، ومدنيَّة مُؤَسَّسات هذا المجتمع، واتِّخاذ الطابع القوميِّ المدنيّ، الذي لا يفرِّق بين المواطنين بسبب الاعتقاد الدينيّ أساسًا ومنطلقًا وصيغةً لنظام الحُكم."24 وهذا الرأيُ يُمثِّل اتِّجاهًا ثوريًّا،عَلمانيًّا، يتطابقُ مع الفكر الليبراليِّ الذي يدعو إلى استقلال المؤسَّسة المدنيَّة عن المؤسَّسة الدينيَّة، كحلٍّ لمسألة الصراع بين التُراث والحداثة، باعتبار أنَّ الدِّين يُشكِّل أهمَّ إشكاليَّاتها. ومع ذلك سنعود إلى الإشارة إلى الشيخ عبدُه في الفقرة الخاصَّة بـ"الموقف الانتقائيّ".
وهكذا ينبغي أن نعترفَ للشيخ بفضل الاجتهاد والتحرُّر، إلى حدٍّ بعيد، من العقل الدينيِّ المتزمِّت الذي كان سائدًا في عصر الانحطاط. فقد أكَّد أنَّ "على المسلمين إعادة تأويل شريعتهم وتكيـيفها وَفقًا لمتطلَّبات الحياة الحديثة." وللوصول إلى ذلك، أقرَّ بمبدإ "المصلحة" العامَّة، لأنَّ "غايةَ الله من الوَحي رعايةُ مصلحة البَشر." لذلك اختار مبدأَ تأويل النصوص لتحقيق هذه الغاية.25
ومن حسنات محمَّد عبده أنَّه اعترف، بكلِّ شجاعةٍ وعلى رؤوس الأشهاد، بتخلُّف المسلمين، ثمَّ اجتهدَ وحاول أن يفكَّ الارتباطَ بين الإسلام والتخلُّف. لذلك فقد اتَّفقَ مع كثيرٍ من المستشرقين الذين يَصفون الشرقَ بالتخلُّف، ولكنَّه اختلف معهم في التفسير والتعليل. وكان لا يُنصِتُ لأقرانه وزُملائه في سبـيل مُواجهة الغرب، بل يصفُهم بالجمود وينفي عنهم صفةَ المعاصرة، بل يتَّهمُهم بـ"الانتحار الفكريّ." ويدعو إلى تحرُّر الجمهور من "العقائد الفاسدة المحرَّفة التي روَّجها منذ قرون مشائخُ السوء خدمةً لمصالحهم ومصالح أسيادهم المستبدِّين بالحكم."26
لذلك تعرَّض عبدُه في الثلث الأخير من القرن الماضي لهجماتٍ شديدة، واتُّهِم بأنَّه زجَّ بالحركة الإصلاحيَّة في متاهاتٍ أدَّت بها إلى أبوابٍ موصَدة. كما قيل إنَّ اختياراتِه العقائديَّة كانت في الغالب انتهازيَّة، مُتناقضة في عُمقها، خطابيَّة، تصرفُ النصوصَ عن معانيها الصريحة. ولعلَّ هدفَ هذه الانتقادات هو إعادةُ الاعتبار إلى أولئك المشائخ الذين كانوا قد حاربوا عبدُه بشدَّة، كما يقول عبد الله العرَويّ.27
النموذجُ الثاني: في أعقاب هزيمة حرب الـ1967، ظهرت حركةٌ سَلفيَّةٌ تدعو إلى إعادة النظر في عصر النهضة، واعتبَرته عصرَ ردَّةٍ وانتهاكٍ للشريعة الإسلاميَّة. ودعَت إلى إعادةِ الاعتبار لعصر الدولة العثمانيَّة وللخلافة، بل ذهبت إلى محاولة إعادة النظر في عصر الانحطاط، باعتبار أنَّ عصرَ النهضة يُمثِّل "زمن الاستعمار والتشويه الذاتيِّ والغَزو الثقافيّ."28
وسنتوقَّف قليلاً عند الكاتب مُنير شفيق، صاحب "الإسلام في معركة الحضارة"، و"الإسلام وتحدِّيات الانحطاط المعاصر"، الذي يُشير إلى أنَّ الهزيمة "عقوبةٌ حتميَّة" كان لابدَّ من أن "تدفعها الأمَّة كـ"محصِّلةٍ طبيعيَّةٍ لمحاربة الإسلام والسير في طريق التغريب."29
كما إنَّه يُشير إلى عصر النهضة باعتباره عصرَ "إحلالٍ للتغريب الفكريِّ والحضاريِّ محلَّ الإسلام"؛ "فالإصلاح والنهضة هنا يُطلَقان على التغريب وتبنيِّ الحضارة الأوربيَّة والتخلِّي عن الإسلام ومُحاربته بكلِّ السُبُل." لذلك يدعو إلى "إعادة النظر بكلِّ ما وصلَنا من فلسفاتٍ وأفكارٍ وعلومٍ إنسانيَّةٍ أوروبيَّة... وفي تلك المقولات التي انبهرَت بعصر النهضة الأوربيّ، فوضعَت مِعولَها في خدمته، وهي تضرب مجتمعاتِنا الإسلاميَّة، وحملَت ظلامَه وهي تحسب أنَّها تحملُ نورًا، وعملَت على إطفاء نور الإسلام وهي تدَّعي بأنَّها تطردُ الجهل والتخلُّف." 30
ويضمُّ هذا الاتِّجاهُ السلفيّ، بالإضافة إلى الكُتَّاب المذكورين أعلاه، فريقًا كبيرًا من المصلحين الاجتماعيِّين والكُتَّاب والمفكِّرين الذين يتفاوتون جدًّا في مَدى التزامهم للتراث أو انفتاحهم على الحداثة، ومنهم، على سبيل المثال، جمال الدِّين الأفغانيّ (مع أنه غيَّرَ اتِّجاهَه في أواخر حياته، فانضمَّ إلى الاتِّجاه الليبراليّ، كما سنُشير إليه)، وحسَن البنَّا، وسيِّد قُطب، ومحمَّد إقبال، وعبد الحميد بن باديس، وعلاَّل الفاسيّ، والطاهر بن عاشور، وخير الدِّين التونسيّ إلخ.

ثانيا، الاتِّجاهُ الليـبراليّ
بوجهٍ عامٍّ، يرى هذا الفريقُ أنَّ الدعوةَ إلى العودة إلى التُراث قد أضرَّت بمسيرة التقدُّم الحضاريِّ للأُمَّة العربيَّة، بل كانت سببًا أساسيًّا في فشل النهضة العربيَّة، منذ مطلع القرن التاسعَ عشر، حين حصل الاصطدامُ الأوَّل بين العَرب والغَرب، الأمر الذي أدَّى إلى تخلُّف المجتمع العربيِّ ووصولِه إلى المرحلة الراهنة من الضعف الفكريّ، العلميِّ والتِّقانيِّ والاقتصاديِّ والسياسيِّ والعسكريِّ، أي الحضاريِّ بوجهٍ عامّ. ويعتقد بعضُهم أنَّ النهضةَ العربيَّة ما كانت لتفشلَ لولا تحالفُ طبقة رجال الدِّين مع النظُمِ الرجعيَّة الحاكمة، ذلك الِحلْفُ غيرُ المقدَّس، بنظر هذا الفريق، الذي ينبثقُ من التوافُق المشترك بين الطبقتَين، للمحافظة على مصالحهما الحيويَّة التي تُهدِّدُها حركةُ النهضة بتغييرِ مركز الثقل في المجتمع العربيِّ الإسلاميّ، وتحويلِه من طبقة رجال الدِّين إلى طبقة المثقَّفين الذين يرفعون شعاراتِ الحداثة والحرِّيـَّة والعَلمانيَّة والعِلميَّة. ويتَّفق الشيخ محمَّد عبده مع هذا الرأي، لذلك دعا إلى تحرير الجمهور من العقائد الفاسدة المحرَّفة التي روَّجها المشائخ "خدمةً لمصالحهم ومصالح أسيادهم المستبدِّين بالحكم" كما أسلفنا.
ويقول صاحب كتاب "الاتِّجاهات الفكريَّة عند العَرب في عصر النهضة": "كان للعُلماء دورٌ هامٌّ في إدارة شؤون الدولة العثمانيَّة، وفي المشاركة في السلطة. وظلُّوا يتمتَّعون بهذا الدور وباحترام السلطة والشعب لهم... وأَصبح العِلم، مع الزمن، احتكارًا لأُسَرٍ مُعيَّنة؛ وغدَت طبقةُ العلماء تُشكِّل طبقةً اجتماعيَّةً ذاتَ امتيازاتٍ خاصَّة. واتَّخذت موقفًا صلبًا ضدَّ كلِّ تجديدٍ في عالَمِ الفكر. فقد قاوموا إدخالَ المطابع إلى الدولة، وطباعةَ الكتُب الدينيَّة الإسلاميَّة." 31
ويرى هذا الفريقُ أنَّ التُراثَ يُمثِّلُ مرحلةً تاريخيَّةً معيَّنة مرَّت وانتهت، ولا يمكن استعادتُها، لأنَّ التاريخَ لا يُعيد نفسَه، كما يتصوَّرُ البعض، لأنَّ اللحظةَ التالية تختلفُ عن اللحظة السابقة. وقد تـنبَّهَ إلى ذلك، منذ حوالى 2500 عام، الفيلسوفُ اليونانيُّ هيراقليطس، الذي قال ما معناه: إنَّك لن تستطيع أن تغتسلَ بنفس الماء الذي يجري في النهر مرَّتَين، كنايةً عن تغيُّر الماء في كلِّ مرَّة. وقد أثبت العلمُ حقيقةَ التطوُّر والحركة والصَيرورة في الطبيعة، أي في كلِّ شيءٍ في هذا الكون. والتاريخ البشريُّ جزءٌ من هذه العمليَّة. يقول أحدهم: "التُراث ثابتٌ والحياة حركة، التُراث توقُّفٌ عند حُدود الحياة، والحياةُ لا تنتهي، التراثُ أعطى، والحياةُ لا تزال تُعطي." 32
ويرى بعضُ خصوم التُراث أنَّه حافلٌ بالغَيـبـيَّات والجوانب غير العقليَّة والأفكار الأُسطوريَّة والخُرافيَّة، وأنَّ التسليمَ بهذه المعتقدات أدَّى وسيُؤَدِّي إلى تخلُّف العَرب والمسلمين عن ركبِ الحضارةِ الحديثة، وخاصَّةً في جوانبها العلميَّة والفكريَّة والتكنولوجيَّة. ألم يُـبرِّر العديدُ من هؤلاء المتشدِّدين فشلَ العرب والمسلمين في مُواجهةِ إسرائيل بسبب تقصيرهم في التزامِ دينِهم؟ بل يُفسِّرون كلَّ نكباتهم وإخفاقاتهم بإرادة الله تعالى! أي إنَّهم لا يعترفون بدَور الإنسان—إرادتهِ وفكرهِ وجهده وكفاحِه—في تَحسين حاله. وتأكيدًا لوجهةِ نظرهم، يستشهدُ هؤلاء الناقِدون بالآية الكريمة "إنَّ الله لا يُغيِّر ما بقومٍ حتَّى يُغيِّروا ما بأنفُسهم." ويقولون إنَّ هذه الفلسفةَ الغيـبـيَّة التواكُليَّة، كانت، ولا تزال، من أهمِّ الأسباب التي أدَّت إلى وصول العَرب والمسلمين إلى هذه الدرجة من التخلُّف والضّعة والضَّعف والمسكَنة والفَقر والجهل، على الرغم مِمَّا تملكُه الأُمَّة العربيَّة والإسلاميَّة من مواردَ طبيعيَّة وبشريَّة هائلة.33
ولتبرير مَوقفهم الداعي إلى التَجديد ومُواكبةِ الحضارة، يُقدِّمون مِثالاً لأحد السلَفيِّـيـن المتُنوِّرين، الذين غيَّروا موقفَهم بشأن أولويَّة التُراث. فالأَفغانيّ، المعروف بمواقفِه الصارمة ضدَّ الغربِ والتفرنُج بوصفِه "جَـدعًا لأَنفِ الأُمَّة"، والذي انتقـدَ التيَّـارَ المُستغرِب، في مجلَّةِ "العـُروةُ الوُثقـى" (1884)، تحوَّل، في أواخر حياتِه، من ذلك الموقف المُعادي للغرب إلى "مُجاراتهِ لمقارعةِ حديدهِ بمثلهِ"، بل وجَّه اللومَ إلى الدولة العثمانيَّة لأنَّها لم تسلك مسالكَ اليابان. ويُلاحَظ أنَّ هذا الرأيَ يتطابق مع رأي آرنولد توينبي، الذي يوصي بمقارعة الغرب بنفس أسلحته؛ أي إنَّ الأفغانَّي سبقَ توينبي في هذا الشأن، وقال: "لو أنَّ الدولة العثمانيَّة راعتْ من يوم تأسَّست، وراقبَت حركاتِ العالم الغربيّ، وجرَت معه حيثما جرى في مضمار المدنيَّة والحضارة، وقرنَت إلى فتوحاتها المادِّيـَّة القوَّةَ العلميَّة، على ما فعلَت اليابان أقلّه، لَما كان ثمًَّة مسألة شرقيَّة." وكانت هذه المقولة بمثابة وصيَّته الأخيرة التي أملاها على محمَّد باشا المخزوميِّ في شكل "خاطرات".34

زَكي نجيب محمود
وسنأخذ نموذجًا واحدًا لمفكِّرٍ معروفٍ يُمكنُ أن يُعتبَرَ أحدَ مُمثِّلي الاتِّجاهِ الليبراليّ، وهو زَكي نجيب محمود.
كان هذا المُفكِّر الليبراليّ- الوَضعيّ يرى، حين كان مُتطرِّفًا، أنَّه يجبُ على العرب أن يتبنَّوا الحضارةَ الأوربيَّة جملةً وتفصيلاً. يقول: "لا أملَ في حياةٍ فكريَّةٍ مُعاصرة إلاَّ إذا بتَرنا التُراثَ بترًا وعشنا مع مَن يعيشون في عصرنا علمًا وحضارةً ووجهةَ نظرٍ إلى الإنسان والعالَم، بل إنِّي تمنَّيتُ عندئذ أن نأكلَ كما يأكلون، ونجدَّ كما يجدُّون، ونلعبَ كما يلعبون، ونكتبَ من اليسار إلى اليمين كما يكتبون، على ظنٍّ منِّي أنَّ الحضارةَ وحدةٌ لا تتجزَّأ، فإمَّا نقبلُها من أصحابها—وأصحابُها اليومَ هم أبناءُ أوروبا وأمريكا بلا نزاع—أو نرفضُها."35 ويعترف بأنَّه كان متعصِّبًا بسبب جهلِه بالتُراث العربيِّ، و"الإنسانُ عدوُّ ما جهل،" كما يقول. وفي أعقاب اطِّلاعه على التُراث العربيِّ الإسلاميِّ، ألحَّ عليه سؤالٌ هامٌّ هو: كيف نكون عرَبًا ومعاصرين في آن؟36 وبعد أن أرَّقَه هذا السؤال، وجدَ الحلَّ فوضَعه، بكلِّ بساطة، بالشكل التالي: "نبحثُ عن طرائق السلوك التي يُمكن نقلُها عن الأسلاف العربِ بحيث لا تتعارض مع طرائق السلوك التي استلزمها العلمُ الحديث والمشكلاتُ المعاصرة."37 وهو بذلك ينحو نحوًا انتقائيًّا، ولكن في الاتِّجاه المعاكس. لذلك فإنَّ أصحابَ الرأي الآخَر من التُّراثيِّين الانتقائيِّين يُخالفونه تمامًا، إذْ يرون أنَّ علينا أن نأخذَ من الغرب ما لا يتعارضُ مع تُراثنا وقِيَمنا وديننا. ويرى الجابريُّ أن محمود لم يتمكَّن من التخلُّص من "جلبابه" الوَضعيِّ المنفعيِّ مهما حاول أن يتشبَّهَ بأبي حيَّان التوحيديّ.38
وينظر ناصيف نصّار إلى نجيب محمود باعتباره توفيقيًّا. فهو يرى أنَّ محمود يحاول أن "يُوائمَ بين الثقافة الغربيَّة والتُراث العربيّ، بحيث نحصلُ على صيغةٍ أو تركيبةٍ يمتزج فيها التُراثُ مع عناصر العصر الراهن." ويُلاحظ نصّار أنَّ جهدَ محمود ناقصٌ من عدَّة جهات، هي: "1- غياب التأسيس النقديِّ لفكرة التُراث، ولفكرة التُراث العربيّ؛ 2- عدم التمييز بين أنواع التُراث، وبالتالي عدم التمييز بين الشروط الخاصَّة بكلِّ نوعٍ على صعيد التوفيق المطلوب؛ 3- الضعف في بلورة فكرة التوفيق ونقدها."39 وإذْ يطولُ الحديثُ في مسألة التميـيز بين "الانتقائيَّة" و"التوفيقيَّة"، نتساءل: كيف يُجوِّز الأُستاذ نصَّار لنفسه وصفَ نجيب محمود بـ"التوفيقيّ"، رغم أنَّه يفتقد ثلاثة شروطٍ مهمَّة، نرى أنَّها جديرةٌ بتقييم أيِّ عملٍ توفيقيّ؟40
ومن أَبرز مُمثِّلي الاتِّجاهِ الليبراليّ— مع مُلاحظة تفاوُتهم في المَيل إلى الانتقاء أَو التوفيق وعدَمِه — نذكرُ على سبيل المِثال: بطرس البستانيّ، يعقوب صرُّوف، شِبلي الشميِّل، أَحمد لُطفي السيِّد، قاسِم أَمين، عبد الرحمن الكواكبيّ، ثمَّ طه حُسَين وسلامه موسى، وبعدهم مُحمَّد عابِد الجابريّ، عَليّ حرب، أَدونيس، عبد الله العَرَويّ، هِشام شرابي ومحمَّد أَركون.

الموقفُ الانتقائيّ
يتوزَّعُ أصحابُ هذا الاتِّجاه بين السَلفيِّين المعتدلين والليـبراليِّـين. ولاشكَّ بأنَّ القارئَ قد لاحظ أنَّ بعضًا من كلٍّ من هذين الفريقَين يُحاول أن يكونَ انتقائيًّا، أي ينتقي السَلفيُّ من الحداثة ما يُوافق الدِّينَ والتُراث، أو ما لا يتعارض معه، على الأقلّ. وقد لاحظنا هذا الاتِّجاهَ لدى محمَّد عبدُه. وينتقي الليبراليُّ من التراث ما هو مُفيد، ولا يتعارضُ مع قيَم الحضارة الحديثة، كما لاحظنا ذلك لدى زَكي نجيب محمود. وليس هناك معاييرُ معيَّنة أو حدودٌ واضحةٌ للانتقاء. فكلُّ مفكِّرٍ له رأيُه في انتقاء ما يشعر أنَّه مُلائم، تبَعًا لإيديولوجيَّته وآرائه المسبقة، أو ميله نحو أحد الاتِّجاهَين الرئيسيَّـين (أنظر الحاشية 40). ومن الملاحَظ أنَّ بعض الآراء تنصرف إلى تصنيف محمَّد عبدُه وزَكي نجيب محمود في خانة الانتقائيِّين أو التوفيقيِّـين. ومع أنَّنا لا نعترضُ على اعتبار كلٍّ منهما انتقائيًّا، كلٍّ من جانبٍ مُعيَّن، أي الأوَّل انتقائيٌّ / سَلَفيّ، والثاني انتقائيٌّ / ليبراليّ، كما شرحنا أعلاه، فإنَّنا نتردَّد في اعتبارهما توفيقيَّـين، في ضوء الإيضاح الوارد في الحاشية 40. وبالمقابل فنحن نميل، مثلاً، إلى اعتبار محمَّد عابد الجابريِّ ليبراليًّا / توفيقيًّا.
ومن جهةٍ ثانية، فالحجَجُ المطروحة ضدَّ الانتقائيَّة قد تقوم، بين أمورٍ أُخرى، على أنَّها تُؤَدِّي إلى إشكاليَّةِ الازدواجيَّة في السلوك والفكر، بل إلى التـناقُض أحيانًا. تُرى، هل يمكن مثلاً للعالِم البيولوجيّ، المؤمن بأحد الأديان السماويَّة الموحِّدة، أن يبحثَ ويُنقِّب، بإخلاصٍ وتجرُّدٍ، في نظريَّة التطوُّر وأصل الإنسان؟ وهاك مثالاً آخَر: نُلاحظ أنَّ الدولة العصريَّة، مثلاً، هي مؤسَّسةٌ اقتبسناها من الغرب. ولكنَّنا أهملنا تطبيقَ أهمِّ عناصرها الأساسيَّة، لأنَّها لا تنسجمُ مع ثقافتنا، ومنها، الانتخابُ الحُرّ، وفَصلُ السلطات، واستقلالُ القضاء، وحُرِّيـَّةُ المعارضة الخ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ الصراع بين التراث والحداثة من تجليات العقل المجتمعي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» إشكالية التراث والحداثة وأثرها في أزمة التطور الحضاري /نظرية العقل المجتمعي
» أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ؛ تفجر الثورة العلمية والتكنولوجية، نعمة أم نقمة ؟
» مشكلات المياه في الوطن العربي // احتمالات الصراع والتسوية
» التطور السياسي و الحضاري
» البحر في التراث العربي

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التربية و التعليم تلمسان :: المراجع والبحوث :: المراجع و البحوث-
انتقل الى: